| بقلم / د.عبدالحميد الشايبي يخطيء البعض عندما يعتقدون أن الثقافة في أي مجتمع تبنى على أسس نخبوية و أنها بالتالي حكر على زمرة معينة من الناس تدّعي أنها ( النخبة المثقفة ) في المجتمع دون سواها ، | |
إن الثقافة نتيجة طبيعية لنضج الفكر الإنساني الذي يلعب الدور الأساسي في صنع الثقافة و إعطائها الطابع الإنساني المتميز بما يضمن استمرارها و تطورها ؛ و لا يمكن بأي حال فصل الثقافة عن الفكر فحيث تكون الثقافة يكون الفكر ، و حيث توجد الثقافة رفيعة شاملة يوجد الفكر رفيعا شاملا ، فهما أمران متلازمان و لا يمكن فصلهما تحت أي ظرف ، لأن أي انفصام في صلة الترابط الطبيعي بينهما سيؤدي بالنتيجة إلى مسخ كليهما ؛ إن المثقف الحقيقي لا يغفل أبدا دور الفكر الإنساني في الحياة المتمثل في تحويل الجهالة إلى معرفة و المخاوف إلى جرأة و العشوائية إلى منطق مقنع و السذاجة إلى وعي مكتمل ، و بالنتيجة تحويل الدهماء إلى صفوة ؛ و هذا هو الدور الرئيسي لعاملي الفكر و الثقافة فهما يحوّلان جميع غرائزنا و مشاعرنا و طبيعتنا إلى طاقة مفكرة ، و من ثم رفع أكبر عدد من البشر إلى مستوى الصفوة ، و هنا تكمن قيمة الثقافة و جوهرها النبيل .
لقد كان العلم قديما امتيازا للصفوة ، بل كانت الحياة كلها بكافة مناعمها و مباهجها للصفوة ، لكن الفكر في رحلته كان ينادي الكافة و يعنى بمصيرها و كثيرا ما كان يترك القصور الشاهقة الناعمة الباذخة و يسرع خطاه نحو كهف أو كوخ أو خيمة متواضعة تسكنها أسرة فقيرة متعـبة فيلقي بكلمة السر إلى طفل شاحب جائع عريان ، فيمضي على غير نهج أترابه ، و بعد حين يتكشف ذاك الطفل عن عبقري عظيم ؛ إن الفكر بذلك كشف عمّا في صدور الكافة من استعداد و أبطل حجج الصفوة في احتكار و استبقاء الفن و العلم و الحياة لها ، و كشف عن غايات رسالته و عمله ، و أعطى الثقافة دورها و علمنا واجبنا اتجاهها ؛ لقد أدركنا بالفكر أن الثقافة كقيمة حضارية إنسانية شاملة هي مجال أوسع من أن يحصر بين عنصري الدين و اللغة كما كان يعتقد بعض فلاسفة أوروبا أمثال " إليوث " و " هاتينغتون " و إلا ما عرفنا مفكرين و مثقفين من فلاسفة الإلحاد كمؤيدي نظرية النشوء التلقائي ، أو من الصمّ البكم الذين لايتكلمون أي لغة كـ" هيلين كيللر " .
إن ما ينبغي أن ندركه في الواقع هو أن للثقافة الحقيقية نقطتا بدء : ( الجموع البشرية و الطبيعة الإنسانية ) و قد ذهبت عصور الإمتيازات و الإحتكارات إلى غير رجعة ، على الأقل في مجالي الفكر و الثقافة ؛ فقد شرعت الجماهير في الإمساك بزمام أمورها لصناعة مستقبلها و تقرير مصيرها دون حاجة إلى تدخل ( النخبة ) في تسيير شئون حياتها.
إن نقل الثقافة للكافة واجب إنساني ، و هو يأتي على رأس واجبات الإنسان و التزاماته اتجاه نفسه و اتجاه الأجيال ، و كل تطور إلى الأفضل رهين بما يتوفر لدينا من فرص الثقافة و العلم ، و ليست مزيّة العلم أنه يسخر لنا الطبيعة و حسب ، بل إنه و الثقافة بصفة خاصة ينميان علاقاتنا بأنفسنا و بالطبيعة و الحياة و الكون كله ؛ و لكن أي نوع من الثقافة يمكن أن تقدم للناس ؟
إن طبيعتنا الإنسانية هي وحدها من يملك البوصلة التي تحدد و تشير إلى حاجاتنا الثقافية ؛ هذه الطبيعة التي لم تخلق بين عشية و ضحاها ، و إنما تكوّنت عبر ملايين السنين من التطور الإنساني على جميع المستويات ، حتى أنها صارت تمثل كونا هائلا زاخرا بالرؤى و التجارب و الإمكانيات . أمّا توجيه الثقافة و وضعها تحت إمرة الوصاية لأي مبرر ، فهو عمل غير منطقي على الإطلاق ، لأن جهة الإختصاص الوحيدة في توجيه الثقافة كما ذكرت سابقا هي طبيعتنا الإنسانية متمثلة في الإرادة الكلية للإنسان و الوعي الشمولي بمفاهيم القيم الإنسانية الأصيلة ، و لا سلطان بالتالي لأي كان على الفكر و لا على الثقافة .
إن الثقافة الحقيقية هي التي تعتمد الأصالة و القيم و التراث و في ذات الوقت تأخذ بأسباب العصرنة و الحداثة ، فتقدم بذلك رؤى جديدة كسبيل إلى حياة أفضل و إلى شخصية إنسانية قابلة للتطور الإيجابي في شتى مجالات الحياة .
تعدّ الثقافة قوة أخلاقية ، لا فكرية أو علمية فحسب ، و في ذات الوقت تعتبر قوة تخطي و تجاوز ، فقد صار للثقافة القدرة على الإنطلاق و الإنتشار خارج الحدود الجغرافية و الإقليمية و السياسية في ظل عالم ( الإنترنت ) و مجتمع المعلوماتية و ثورة الإتصالات ؛ إن الثقافة من طبيعة الإنسان ، و لابد لها من تجاوز التقليد إلى الإبتكار ، و تجاوز المحلية إلى الشمول ، فذلك من صميم طبيعتها ، و حيثما وجد الإنسان فثم وطنها ، فلا وطن خاص بها و لا جنسية محددة .
إن الجهل بعالمية الثقافة يولد التعصب الذميم و الخوف الأهوج ، مما يؤدي بالنتيجة إلى التعصب إلى ثقافة ما أو الخوف من ثقافة أخرى ، لذا فإن الثقافة ليست معرفة فحسب ، بل هي نفوذ ، و نفوذنا يتسع بقدر ما لدينا من ثقافة ، و على المثقف في أي زمان أو مكان أن يستفيد من جميع المعلمين العظماء دون أن يفقد في غمار عظمتهم استقلاله الفكري و العقائدي ؛ فلنشكر الله على هؤلاء الرجال الأخيار و لكن ليقل كل منا ( أنا كذلك إنسان ) . .
يقول الفيلسوف و الزعيم الهندي " غاندي " ( لا أريد لبيتي أن يكون مغلقا من جميع الجهات ، فلتبقى النوافذ مفتوحة لتهب على بيتي رياح كل الأمم بكل ما أمكن من حرية ، لكني أنكر على أي منها أن تقتلعني من جذوري ) .






بقلم / د.عبدالحميد الشايبي يمر اليوم إثر اليوم ، و تتطور أساليب الفساد ، و نحن هنا في صدد الحديث عن أحد أخطر و ...
بقلم / منير القعود ليس في شهر يوليو أو شهر "ناصر" (بالتقويم الجماهيري) أى احتفالات وطنية أو ثورية "بالجماهير...
بقلم / د.عبدالحميد الشايبي مساكين شباب بلادي ؛ أي والله مساكين ! لكن عزائهم أنهم ليسوا لوحدهم المحشورون في ز...
بقلم / د. عبدالحميد الشايبي يــالـها من تراجيديا حزينة و مكـلفة هذه التي نعيشها اليوم فيظل عالم يعاني الجنو...
د.عبدالحميد الشايبي نعيش نحن البشر اليوم في عصر السرعة و التغيير المستمر الذي طال جميع نواحي و مجالات الحيا...
بقلم / د.عبد الحميد الشايبي مما لاشك فيه أن الفساد الإداري والمالي يعدّ ظاهرة عالمية الإنتشار ولا تقتصر على...
بقلم / د.عبدالحميد الشايبي يقول المثل الليبي ( يتعاركو لرياح و يجي الكيد عالصاري ) .. ...


