حـرية الإنسان بين المطرقة و السندان

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 بقـلم / د.عبدالحميد الشايبي  

يمكن وصف الحرية في عالمنا اليوم ( عالم التكتلات الكبرى ) بأنها تشبه إلى حد كبير حالة حرية الأسد و الثعلب و الغزال ، فالكل هنا يتمتع بقدر من الحرية ، إلا أنها حرية غير متساوية و غير عادلة ؛

 

فالقوي هنا يمارس كامل حريته مادام قادرا ، بينما الضعيف يكتفي بالحديث عنها و تمنيها رغم أنها متاحة له تماما إلا أنه لايملك القوة ليعيشها ، و ما نراه يجري في العالم اليوم من دعوات لإطلاق الحريات و دعايات محمومة لحرية الإعلام و حرية الصحافة و تحرير المرأة ، إلى غير ذلك من حريات تحت مظلة العولمة و أممية الرأسمالية و سيطرة القطب الواحد ؛ كل ذلك لا يمكن وصفه بحال من الأحوال بالحرية الحقيقية في الوقت الذي زادت فيه سيطرة كبريات الشركات الرأسمالية و آلياتها على شئون دول العالم ، و بدأت تحل تدريجيا محل سيطرة الدولة التقليدية و تهديد سيادتها عن طريق تغيير الأنظمة و أجهزة السلطة و القوانين و فرض مزاجها على تلك الدول ، فنجد أن هذه الشركات بدأت تحدد إلى درجة كبيرة ما يجوز و ما لا يجوز التعبير عنه ، و ذلك وفقا لمصالحها و القيود هنا مستترة و كسرها جدا صعب .
 أما ما يشهده الإعلام من زيادة في أعداد الصحف و المجلات و دور الطباعة و النشر و القنوات العامة و الخاصة المرئية منها و المسموعة حتى بدا و كأن هذا التعدد و الإنتشار ينبيء بحرية متزايدة في التعبير ، لكن المتتبع بدقة يدرك أن الحرية الحقيقية للتعبير مازالت محاصرة و مخنوقة و ماتمارسه هذه الوسائل الإعلامية إنما هو في حقيقته تزييف واضح للمفهوم الأصيل للحرية و استهتار فاضح بكل القيم الإنسانية ، فالتعدد في المنابر الإعلامية و اختلافها قد يعطي للوهلة الأولى انطباعا بالحرية ، لكن ( البضاعة ) التي يعرضها استهلاكية سطحية تفتقد نشر الوعي و المعرفة الحقيقية بجذور المشاكل و من ثم الوسائل الصحيحة و الفعالة لعلاجها ، و التي لا يمكن أن يتصدى لها إلا رأي عام و اع ؛ إذا فما نراه ليس إلا غرقا في طوفان من الدجل و الخداع و الإستغفال الإعلامي الهادف إلى خلق متلق سلبي ليتصور تمتعه بحرية معرفية لكن الواقع أنه عاجز عن النفاذ إلى الحقيقة .
إن ما يمارس حاليا في العالم ككل من سيطرة العقلية الرأسمالية المتطرفة متمثلة في الشركات الإحتكارية العملاقة ما هو إلا تأكيد و ترسيخ لمفهوم العبودية و الإستغلال السيء للإنسان و تقييد لقواه الحية ؛ كذلك الحال فيما يتعلق بما نراه من تعدد في القنوات الإعلامية و في الصحف و المجلات و في طرق و أساليب صياغة القوانين و المناهج الفكرية و الدراسية ، فكل ذلك لا يعدو كونه ( تعليبا للعقل ) و حشو له بمفاهيم مغلوطة بغية النيل من قدرته على التمييز و الإختيار الصائب و للتقليل من قيمة و شأن الإنسان و التشكيك في قدرته على استيعاب الأمور و الإستهتار به و بدرجة الوعي لديه ؛ حتى يتعود العيش في ظل هذا الوضع غير الطبيعي ، فلا يحاول الخروج عن هذا النمط المظلم المشوه في حياته حتى عندما تفتح الأبواب أمامه ليمتلك وعيه و بالتالي حريته ؛ فالنور يزعج دائما من اعتاد الظلام ، و الحرية تبدو سلوكا غريبا و محيرا لمن اعتاد القيود ، عند ذلك تتمكن هذه الأنظمة و الوسائل الوحشية من الإنقضاض على الإنسان و توجيهه و التحكم في مصيره بما يخدم مصالح الأقلية المتسلطة .
 قد تبدو الصورة سوداوية بعض الشيء فيما يتعلق بمستقبل حرية الإنسان ، لكن الظروف الراهنة في العالم لا يمكن لها أن تستمر مهما طال أمدها ، فلابد أن يأتي اليوم الذي ينتهي فيه كل ما من شأنه عرقلة الإنسان عن استعادة مكانه الطبيعي حرا فوق الأرض و تحت الشمس و لن تصمد طويلا آليات الدفاع عن ( التقليدي ) و التي اعتادتها الأنظمة و الأيديولوجيات القديمة و المتخلفة معلنة أن القادم لا بد أن تكون ورائه مؤامرة ، فالحرية الحقيقية ليست مؤامرة كما يدعي أعداؤها .
إن الحرية الحقيقية لا تمنح من أحد و لا تعطى لأحد ، فمن ذا الذي سيعطي الحرية إن كانت منحة تعطى ؟ و هل نفترض مثلا أن هناك جهة ما تملك الحرية ثم توزعها وفق جدول زمني أو مكاني أو تعطيها وقتما شاءت لمن شاءت !! إن الحرية ليست منحة ، فالإنسان هو الذي يمتلك حريته إذا امتلك وعيه . 
الحرية هي اكتمال الإنسانية و افتقارها انتقاص من هذه الإنسانية .
إن الحرية ببساطة هي ( المسافة التي تقع بين قوسي الإلتزام و الفوضى ) و بالتالي فكل ما يسبق قوس الإلتزام هو تشدد و تطرف و غلوّ مبالغ فيه و لا داعي له ، و كل ما يتجاوز قوس الفوضى هو عمل ديماغوجي فوضوي مضر لا طائل من ورائه .
و للحرية درجات تبدأ من أبسط السلوكيات و تتوقف على درجة المسئولية و المعرفة التي يمتلكها الإنسان و يتمتع بها ، و بالتالي على درجة الوعي لديه ، و إذا كانت المعرفة ضرورية ليمتلك الإنسان حريته ، إذا فلا يجب لهذه الميزة أن تحتكر تحت أي ظرف من الظروف " فالمعرفة حق طبيعي لكل إنسان " ، و عندما يتحقق ذلك سينتهي الجهل " فالجهل سينتهي عندما يقدم كل شيء على حقيقته " * .

* معمر القذافي


 

 
مـعـا .. نحـقـق الحـلم

جديدنا

جديد الحلم الليبى

Stop
Play
  • المــؤامـرة .. بقلم / د.عبدالحميد الشايبي   يمر اليوم إثر اليوم ، و تتطور أساليب الفساد ، و نحن هنا في صدد الحديث عن أحد أخطر و ...الاثنين, 23 نوفمبر 2009
  • الصــعــود إلى الهــاويـــة .. بقلم / د. عبدالحميد الشايبي    يــالـها من تراجيديا حزينة و مكـلفة هذه التي نعيشها اليوم فيظل عالم يعاني الجنو...الأربعاء, 25 نوفمبر 2009
  • الإنتـظـار بكــلّ أدب و تهــذيب .. بقلم / منير القعود    ليس في شهر يوليو أو شهر "ناصر" (بالتقويم الجماهيري) أى احتفالات وطنية أو ثورية "بالجماهير...السبت, 25 يوليو 2009
  • الشباب .. بين قانون الغاب و دستور المخالب و الأنياب  بقلم / د.عبدالحميد الشايبي  مساكين شباب بلادي ؛ أي والله مساكين ! لكن عزائهم أنهم ليسوا لوحدهم المحشورون في ز...الأربعاء, 26 نوفمبر 2008
  • خارج نطاق التغطية !! بقلم / د.عبد الحميد الشايبي    مما لاشك فيه أن الفساد الإداري والمالي يعدّ ظاهرة عالمية الإنتشار ولا تقتصر على...الأربعاء, 26 نوفمبر 2008
  • الجامعات الخاصة .. بين الإعتماد و الإبعاد بقلم / د.عبدالحميد الشايبي   يقول المثل الليبي ( يتعاركو لرياح و يجي الكيد عالصاري ) .. ...الخميس, 26 نوفمبر 2009
  • و مــاذا بـعــد !! د.عبدالحميد الشايبي   نعيش نحن البشر اليوم في عصر السرعة و التغيير المستمر الذي طال جميع نواحي و مجالات الحيا...الأربعاء, 25 نوفمبر 2009

المتواجدون حاليا

حاليا يتواجد 5 زوار  على الموقع
كيف ترى مستقبل الليبيين في ظل الحراك السياسي و الاقتصادي هذه الأيام ؟
 
شـركة الرحـالة للســيارات
 
شـركة الإمتـيـاز للأثــاث
 
        مـؤســســة أبجــد للدراسـات
 
    شـركة أركــان للإعـــلام المحــدودة