خارج نطاق التغطية !!

إرسال إلى صديق طباعة PDF
بقلم / د.عبد الحميد الشايبي  
 مما لاشك فيه أن الفساد الإداري والمالي يعدّ ظاهرة عالمية الإنتشار ولا تقتصر على إقليم محدد بذاته ،
 
 ولكنها تنتشر وتستفحل بصورة كبيرة في الدول التي تعاني عادة من عدم استقرار  من الجانب السياسي أو الإجتماعي أو نظام اقتصادي متدهور و إدارة مهترئة وقضاء مسيّس .
إلى غاية يومنا هذا لا يوجد تعريف خاص بمصطلح "الفساد" كمفهوم ، ولكن هنالك اتجاهات مختلفة تتفق على أنه "إساءة استعمال السلطة العامة أو الوظيفة للكسب الخاص وبأنواع متعددة وأوجه مختلفة" و يشير الباحثون إلى أن أهم تلك الصيغ هو آلية دفع الرشاوي المباشرة للموظفين و المسؤولين الحكوميين مقابل تسهيل إجراءات أو عقد صفقات، أو وضع اليد على المال العام، والحصول على مواقع متقدمة للأبناء والأصهار و الآل و الأقارب و من تبعهم بإحسان و بغير إحسان في الجهاز الوظيفي دون استحقاق أو منافسة واقعية أو موضوعية .
و يطلق البعض على هذا النوع من الفساد بـ "الفساد الصغير" ؛ أما ما يشار له بالنوع الآخر أو " الفساد الكبير" فذاك ما يرتبط بعالم المقاولات وتجارة السلاح وتمرير العطاءات التجارية الكبرى و الأجندة السياسية لصالح جهة ما على حساب المصلحة العامة.
وفي ليبيا لا يمكن تحليل أو فهم أسباب و طبيعة تلك الظاهرة التي أصبحت خطرا داهما يضاهي خطر الإستعمار المباشر و الحكم الدكتاتوري إلا بمتابعة تاريخ نشأتها في ظل أوضاع حيثيات نظام الحكم المتبع و الظروف و التغيرات التي مرت بها البلاد ، وعليه يمكن القول إن الفساد في ليبيا ليس وليد اللحظة الآنية، بل هو متجذر في البنية الهيكلية للدولة منذ نشأتها و التي غلبت عليها النزعات القبلية و عقلية التمييز و المصلحة ؛ وبالتالي فإن ظاهرة الفساد في ليبيا هي إفراز طبيعي لسنوات طوال من سياسات إدارية متخبطة و قيادات غير كفؤة ، وغياب شبه كامل لسلطة القانون لصالح سلطة الفئة و الجماعة، مضافا لظروف و مضاعفات الحصار و الخلافات الخارجية سابقا و مآسي سوء توزيع الثروة و الإستغلال و الإحتكار الذي لايزال ضاربا بجذوره في عمق مراكز اتخاذ القرار في البلد ، و ما أنتجه هذا المزيج المركب من تمييز و طبقية فككت أواصر المجتمع الليبي، ناهيك عن التسيب الإداري المتشعب، و غياب ثقافة التفاني والإيثار في الوظيفة العامة مقابل الحرص على المنفعة الشخصية و ذلك كنتيجة طبيعية لغياب الحافز ؛ كل هذا وغيره ساهم مساهمة كبيرة في إنتاج نظام إداري متفسخ وفساد استشرى في جميع أجهزة الدولة .
أما التغييرات و التطورات التي حدثت في البلاد فلم تفلح حتى الآن في رسم خطوط عامة و واضحة لمحاربة تلك الآفة بصورة جلية رغم استغلال أساطين الفساد لحالة الدولة المربكة خلال مرحلة التغيير نحو الإصلاح في عمل الكثير من مد الأذرع بجميع الاتجاهات، وحتى أجهزة الدولة التي شكلت هيكلية الدولة الجديدة لم تستطع وقف جريان هذا التيار أو وضع حدود له، بل عانت هي الأخرى من نخر في بنيتها الأساسية و تشوه في تركيبتها و خير دليل هو التغييرات المتتالية و المتكررة لتولي زمام الأمور في أماناتها .
مما لاشك فيه بأن الدولة بأجهزتها المتعددة و الحكومة بصورة خاصة تواجه عقبات كبيرة منها الداخلي والخارجي، لاسيما في محاولاتها لتثبيت أسس نظام الإصلاح الجديد وترجمته على أرض الواقع بصور صحيحة وصحية، وهذا ما يحسب للكثير من أهل الحل و الربط في داخل تركيبتها بالجهد الطيب، غير أن السير في واد لا يعفي المسئولين من متابعة المسالك الأخرى والقنوات المهمة التي قد تكون تنفيذية بحتة ولكن نتائجها السلبية قد تكون ذات أثر سيء على عملية الإصلاح برمتها، وفي مرحلة الدولة الفتية فإن سباق الزمن يكون عنصرا حيويا في أي حساب، والتهاون في مجال ما قد يسري بنار التكاسل لبقية الجوانب ،
لقد اتسمت المرحلة السابقة و التي شهدتها ليبيا بفوضوية كبيرة أنتجتها عناصر متعددة منها الإدارة غير المدركة لكثير من الحالات، وإسناد المناصب حسب القناعات و المصالح الشخصية و غيرها، مما ولد حالة من الفوضى و الفساد الإداري و المالي وهذا يحتاج إلى الإسراع بالتفتيش عن بقايا المواقع التي تم التعيين لها حسب ما أشرنا وإعادة تقييم جدية لمدى صلاحية المعيّنين بهذه المراكز .
أعلنت القيادة في ليبيا بأن العام الجديد سيكون عام الحرب على المفسدين وهذا يتطلب برنامجا واسعا و مدروسا يشارك فيه الجميع من أجل فرض (سلطة القانون) في المجال الإداري، وبطبيعة الحال فذلك يستلزم حشد الطاقات الإعلامية والقانونية والأخلاقية في متابعة الحالات وكشفها ولاسيما حالات التقصير في أداء المسئوليات و تحملها وتقديم المتورطين علانية للقضاء ، كما يتطلب الأمر تشريع القوانين الخاصة بحالات الفساد الإداري للمرحلة الحالية بصيغ أكثر صرامة كونها مرحلة مهمة في بنية الدولة الحديثة و ضمان محاسبة المتسيّب والمحرض والمنفذ و المتستر على حد سواء ، كما ينبغي حث الجهات و المراكز الثقافية ومنظمات المجتمع المدني على أداء دورها في البدء بحملات توعية واسعة لمخاطر الفساد الإداري وما ينتج عنه من تدمير شامل لهيكلية الدولة و المجتمع وعدم اقتصاره على الدوائر المرتبطة ببنية الحكومة في متابعة ذلك فقد أثبتت المركزية هنا عجزها عن الوصول إلى الحلول الناجعة لمشاكل البلد نتيجة المماطلة و التأخير و الإجراءات المعقدة و التفاصيل الفارغة التي صارت من معالم المركزية الأساسية، و لا يجب إغفال أهمية إشاعة ثقافة النزاهة الأخلاقية وإشراك الجانب العقائدي والإجتماعي في كون الفساد الإداري يشكل علامة سلبية في تركيبة الشخص وسمعته ؛ و البدء بالمحاسبة والمتابعة من أعلى الهرم الحكومي والنزول إلى أسفل القاعدة ضمان امتثال الجميع للمسائلة وعدم التمييز في القياس والحساب أمام القانون ، وهذا بدوره يشكل علامة جيدة في خضوع الجميع لرقابة القانون والقضاء وعدم ترفع أحد عن ذلك.
إن الأمر غاية في الأهمية و يتطلب منا الحزم و الجدية ، فإذا أردنا أن نحل مشاكلنا فينبغي علينا تداركها و تناولها منذ بداياتها و ألا نتركها حتى تتأزم فنكتوي بنار نتائجها ، و أن نعالج السبب الرئيسي عوض الخوض في التفاصيل و النتائج .و في خضم هذه المسيرة يظل الحديث حتى اللحظة يسمع بالجملة والمفرق: نعم هناك فساد ، ثم لازمة أخرى تكمل ذلك الإعتراف حول رد أسباب الفساد إلى التربية والضمير والأخلاق ثم الخاتمة وإراحة الضمير بمبرر أن كل دول العالم بما فيها العظمى منها تشكو من الفساد ، إذا فالخلاصة هنا اعتراف ثم سرد الأسباب ، فعملية إسقاط واضحة على الفرد والأسرة و الشعب عموما ومجمل الأخلاقيات والعادات والتقاليد ثم الخاتمة و نفض اليد ؛ ألا تشكل تلك الثلاثية (الإعتراف - السبب - الخاتمة) قمة الفساد ؟ ألا يعتبر ذلك ( إبداعا ) جديدا يضاف إلى مسلسل الفساد والإفساد المبرمج والمركب، قاعدته الذهبية: من يحاسب من ؟؟ نعم في سويسرا، في السويد، في فرنسا وفي دول أدنى مدنية يوجد فساد ؛ و لكن ما يغيب في هذه اللازمة عن عمد وقصد شكل الهرم، فالهرم مقلوب لدينا حيث نجد أن الرأس تحت والقاعدة فوق، و لديهم الهرم سوي فالقاعدة تحت والرأس فوق وهو الشكل الصحيح، القاعدة هناك سيادة القانون و يبقى الفساد استثناءا ؛ أما نحن فسيادة القانون هي الإستثناء والفساد هو ( القانون ) الغالب حيث الإستئثار والإمتياز حكر لفئة تفتقد الكفاءة و النزاهة و الوطنية مما ولد بيئة خصبة لنهب المال العام عبر الصفقات الإدارية و العطاءات المشبوهة ولجان المبيعات والمشتريات التي ازدهرت و انتشرت في البلد كانتشار المطبات والحفر في شوارعنا . إن ثقافة الوصولية و الإنتهازية و التسلق و التضحية بالكرامة من ذوي النفوس الضعيفة أو ممن أراد ( أن يبعد عن الشر و يغنيله ) أو ( يمشي بجنب الحيط ) أو ممن يردد ( ورايا كومة لحم ) و التي أدت في مجملها إلى مسخ شخصية المواطن الليبي و خلق مفردات شاذة لكينونته لم يعرفها المواطن الليبي من قبل ، كينونة عنوانها الإنحطاط بمكانة الليبي في وطنه فصار ( السوّاق و الكنـّاس و الفرّاش و الطبّاخ و عامل السخرة و الأجير ) لدى مؤسسات و شركات وطنية و أجنبية يستأثر الأجانب فيها بالمواقع المهمة ، و سببها الفساد الذي يتكيء أساطينه على مبررات عدم كفاءة الليبيين و يرمون على ذلك أوزارهم متجاهلين حقيقة فساد نظم إدارة التعليم التقليدي و مناهجه المتبعة في بلادنا و تغلغلها في هيكل و تركيبة المجتمع الليبي على حساب التعليم المهني و التقني التأهيلي و المتخصص مما أدى في النتيجة إلى تخريج طوابير من حملة الشهادات و الأدمغة الخاوية اللهم إلا من رواسب الإحباط و العجز و عدم الثقة بالنفس و فقر الإنتماء و الإنبهار بالآخر ؛ كما ينبغي عدم إغفال دور الفقر و ضعف دخل الموظف الحكومي الذي يصنف ضمن دائرة ( الفساد الصغير ) ، و ( عدم جدية المحاسبة ) هنا لا تعد  سببا و إنما نتيجة لمعادلة تفاعلت عناصرها لتؤدي إلى ضعف مناعة جسد المجتمع الليبي و تعطيل دفاعاته ، فهل سمعنا يوما أن نقابة معينة أو جمعية أهلية اعترضت على رفع أسعار المواد الغذائية و مواد البناء و البنزين و إيقاف التعيينات و غيرها من مشاكل المواطن الليبي و التي صارت كالخناجر المغروزة في كل أنحاء جسده ، حتى صار كالمحتضر الذي يشتهي الموت و لا يحصل عليه ، فوجوده بغض النظر عن وضعه الإنساني ضروري لوجود من لديه مطامع في حكمه و السيطرة على مقدراته و اغتصاب حقوقه ؛ هو ذا وعي ( النخبة ) التي استباحت حقوق أبناء المجتمع و استغلت عجزه و حاجته لضمان استمرارها .علينا و الحال كذلك أن ندرك أن الفساد جنين تربّى في رحم مجتمع تشرّب الفوضى في ظل غياب قانون حقيقي ينظم حياة أبنائه و يضمن لكل منهم حقه في الحياة الكريمة في وطنه دون تمييز ، فهل من مخلص يضمن تحقيق ذلك بعيدا عن الخوض في تفاصيل الوعود الكلامية و كلام الجرايد و الصرف الإعلامي و تطويق الأزمات و محاولة تنفيس الإحتقان و طرح الأسئلة العائمة ؟! و أخيرا و ليس آخرا أقول بأننا كشعب نعيش خارج نطاق التغطية و ليس لدينا رؤية واضحة عن مستقبل ليبيا و أبنائها ،، و إنما لدينا مجرد ( أحـلام ) ...
 
مـعـا .. نحـقـق الحـلم

جديدنا

جديد الحلم الليبى

Stop
Play
  • و مــاذا بـعــد !! د.عبدالحميد الشايبي   نعيش نحن البشر اليوم في عصر السرعة و التغيير المستمر الذي طال جميع نواحي و مجالات الحيا...الأربعاء, 25 نوفمبر 2009
  • الصــعــود إلى الهــاويـــة .. بقلم / د. عبدالحميد الشايبي    يــالـها من تراجيديا حزينة و مكـلفة هذه التي نعيشها اليوم فيظل عالم يعاني الجنو...الأربعاء, 25 نوفمبر 2009
  • الشباب .. بين قانون الغاب و دستور المخالب و الأنياب  بقلم / د.عبدالحميد الشايبي  مساكين شباب بلادي ؛ أي والله مساكين ! لكن عزائهم أنهم ليسوا لوحدهم المحشورون في ز...الأربعاء, 26 نوفمبر 2008
  • الإنتـظـار بكــلّ أدب و تهــذيب .. بقلم / منير القعود    ليس في شهر يوليو أو شهر "ناصر" (بالتقويم الجماهيري) أى احتفالات وطنية أو ثورية "بالجماهير...السبت, 25 يوليو 2009
  • المــؤامـرة .. بقلم / د.عبدالحميد الشايبي   يمر اليوم إثر اليوم ، و تتطور أساليب الفساد ، و نحن هنا في صدد الحديث عن أحد أخطر و ...الاثنين, 23 نوفمبر 2009
  • الجامعات الخاصة .. بين الإعتماد و الإبعاد بقلم / د.عبدالحميد الشايبي   يقول المثل الليبي ( يتعاركو لرياح و يجي الكيد عالصاري ) .. ...الخميس, 26 نوفمبر 2009
  • خارج نطاق التغطية !! بقلم / د.عبد الحميد الشايبي    مما لاشك فيه أن الفساد الإداري والمالي يعدّ ظاهرة عالمية الإنتشار ولا تقتصر على...الأربعاء, 26 نوفمبر 2008

المتواجدون حاليا

حاليا يتواجد 5 زوار  على الموقع
كيف ترى مستقبل الليبيين في ظل الحراك السياسي و الاقتصادي هذه الأيام ؟
 
شـركة الرحـالة للســيارات
 
شـركة الإمتـيـاز للأثــاث
 
        مـؤســســة أبجــد للدراسـات
 
    شـركة أركــان للإعـــلام المحــدودة